تقافة و رأيمجتمع

مدن مغربية بماض من ذهب وحاضر من تراب حاضرة «أزمور».. ميناؤها كان ورقة تفاوض في جيب المولى إسماعيل

ورد في مراجع تاريخ المغرب أن أزمور كانت تحمل لقب «الحاضرة»، وهكذا كان يطلق عليها في المخطوطات القديمة لمراسلات أعيان المخزن «حاضرة أزمور»، في حين كان بعض العلماء وقتها، أي خلال القرن 18، يقارنونها بفاس التي كانت تلقب في نفس المراجع بـ «قرية» فاس.
إلا أن بعض الباحثين في التاريخ فسروا الأمر لغويا وذهبوا في اتجاه أن القدماء كانوا ينعتون المدن بالقرى، وفصلوا في أن تسمية «قرية» كانت تعني وقتها التجمع السكاني ولم يكن هناك تمييز كبير بين المفردتين، بحكم أن القدماء كانوا يطلقون على القرى تسمية «البادية».
إلا أن هذا الطرح العلمي اللغوي، يبقى ضعيفا إذا ما قورن بالواقع التاريخي المغربي.
فمدينة أزمور المجاورة للجديدة لعبت دورا تاريخيا كبيرا خلال فترات الهجومات البرتغالية على المنطقة، وكانت معقلا سياسيا كبيرا للمغرب، لأنها كانت منطلق عدد من العمليات العسكرية التي صنعت تاريخ المغرب الحديث.
كان هناك تنافس كبير بين أزمور و«مملكة» فاس التي كانت عاصمة للمغرب ووصلت شهرتها إلى أوربا وآسيا.
المثير أن أزمور قبل خمسة قرون كانت مستقلة تماما عن سلطة فاس، وكانت تدبر أمورها بمجلس خاص يتعامل مع السلطات البرتغالية.
والسبب حسب بعض المؤشرات التاريخية أن الدولة المغربية سنة 1497 كانت تمر بفترة ضعف تنظيمي وتراجع في الإمكانيات العسكرية ولم يكن ممكنا استرجاع المدينة، فتدبر أعيانها أمورهم بأنفسهم واستطاعوا فعلا حماية المدينة من البرتغاليين وجنبوا البلاد موجة استعمار برتغالي بعد أن وقعوا اتفاقية ثنائية بين المدينة والبرتغال تقضي بدفع غرامة مالية بانتظام مقابل بقاء ميناء أزمور تحت سيطرة تجار المدينة.
أما في عهد المولى إسماعيل، الذي حكم المغرب ما بين سنوات 1672 و1727، فقد تحولت أزمور إلى مدينة حقيقية تدر على الدولة المغربية مداخيل مهمة جدا، استعملت في بناء سور مدينة مكناس، بل واستطاع المولى إسماعيل، الذي وصلت شهرته إلى بريطانيا وفرنسا وإيطاليا مفاوضة هذه الدول، بل وهددها من خلال أرشيف المراسلات بالحرب، بقوة ميناء أزمور لكي يحصل على تنازلات من دول أوربية مقابل السماح لها بالتعامل التجاري مع ميناء أزمور.
حتى أن أزمور لعبت دورا كبيرا في المفاوضات الأشهر التي قادها المولى إسماعيل مع البرتغال وأطلق خلالها سراح أسرى فرنسيين استعملوا في بناء سور مدينة مكناس التاريخي. هؤلاء الأسرى تم إطلاق سراحهم في إطار اتفاق بين الملك الفرنسي والسلطان المولى إسماعيل لعب فيه ميناء أزمور دورا كبيرا بحكم أن الاتفاق ضم بنودا تسمح لتجار فرنسا بولوج الميناء والاستفادة من رسوم خاصة بهم.
حتى أن سورها المهمل غير البعيد عن مصب نهر أم الربيع يبقى اليوم شاهدا على الفترات التي تعرضت خلالها أزمور لهجومات القوى الخارجية واستطاعت أن تبقى صامدة في عز فترات ضعف الدولة المغربية، واستطاعت أزمور أن تبقى في واجهة الأحداث طيلة سنوات محاولات إسبانيا والبرتغال احتلال السواحل المغربية.
لكن المدينة اليوم وميناءها نُسيا تماما، وتم تغييب تاريخ المنطقة رغم أنها لعبت دورا كبيرا في صناعة صورة المغرب وحاضره.

فدوى بن جامع : نشر بموافقة المصدر جريدة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: جميع الحقوق محفوظة